إلى معلمتي سناء الشعلان

    ثمانية أعوام مرت، أذكرها كأنها شروق شمس اليوم، كنت في الصف العاشر في مدارس المنهل ثانوية البنات، دخلت هذه المدرسة العريقة بمجهودي الخاص إذ حصلت على منحة دراسية لتفوقي الأكاديمي في مدارس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين، لست بصدد سرد التفاصيل بقدر ما أقصد الإشارة إلى شخص غير منحى حياتي وحول مساري إلى الإيمان بنفسي.

     المنهل، مناخ جديد لم أعرفه قبلاً، حرية وانفتاح على عالم غريب، عداء من بنات الصف السابقات بسبب تفوقي، ملاحقة في الكلام وتعليقات أتعبت نفسيتي وجعلتني أتأرجح، جعلتني أنطوي وأي حركة عفوية تفسر على أنها سلوك هجين. إلى أن دق على باب انطوائي “الملاك الأزرق” الذي احتواني، معلمة اللغة العربية.

    ملاكنا الأزرق، كانت امرأة جميلة؛ عينان ملونتان فاتحتان، جسد مكتنز، بشرة بيضاء. قوية الشخصية، ثابتة الحضور، كثيرة الكلام السمين لا الغث، ذات حس فكاهي نادر، والأهم ذات قدرة سيكولوجية عالية على فهم كل منّا من نظرة العينين.

    بحر اللغة العربية عندي جمال مقدس أفخر به، والملاك الأزرق كانت أكبر بكثير من معلمة للغة العربية، كانت معلمة حياة وفكر وسلوك نفسي قويم. الملاك الأزرق سمعت شكواي واحتضنت اضطرابي وزودتني ببضع عبارات قادت سلوكي إلى النجاح والاستمرار، فساعدتني في التغلب على أرجحتي نهائياً.

    صادقت القلم والورق منذ نعومة أظافري وكتبت، الخاطرة والشعر الركيك والقصة القصيرة والمسرحية، أذكر أول مسرحية كتبتها عن “منذر”، طفل فلسطيني فقد أخته التوأم “نادين”، ما زلت أبحث عن نصها الأصلي ولم أجدها بعد.

    الملاك الحارس لاحظت أن كتابتي جيدة بحاجة إلى تشذيب، ولاحظت أيضاً أن أسلوب تعبير بقية الصف يحتاج إلى تطوير، فاعتمدت فكرة استغربتها في البداية لكني بعد وقت عرفت أهميتها العظيمة، فكرة الملاك كانت أن تطرح كلمة أو جملة قصيرة في نهاية الحصة، ويكون واجبنا البيتي أن نتأمل الكلمة أو الجملة ونكتب عنها في حدود خمسة سطور أو ستة، ونأتي في اليوم التالي تقرأ كل منا ما كتبت.

    كانت هذه فرصة لي  لأتفوق على أترابي، كنت على يقين بأني سأكون أقواهن تعبيراً، وكل واجب كنت أكتبه بسعادة وشوق إلى الغد، هذا شيء أجيده وأعرفه وأريد أن أقوم به. كنا نقرأ ما كتبنا، والملاك كانت تأخذ آرائنا بكتابات بعض، وكانت ترفض عندما تقول إحدانا (حلو) أو (منيح)، كانت تقول أن هذه الكلمات تعني أن النص ليس جميلاً، كانت تريدنا أن نفكر في مواقع الضعف ومواقع القوة في النص، هكذا وبشكل جزئي تعلمت كيف أنقد نص غيري، وكيف أتقن الاستماع للجزئيات والصور، وهذا انعكس على كل مسارات حياتي بعد ذلك.

    كنت أنتظر حصة الملاك الأزرق بفارغ الصبر، كنت أشعر أنها مسرحية أفرغ فيها طاقتي وأطور نفسي، وأنكر أنني كنت أسرح مطولاً بغموض عيني معلمتي، وأتابعها بترقب أنتظر حكمة أو طرفة أو نادرة من أقوالها التي كانت دائماً تغني جعبتي وعقلي الباطن، كانت تشبع رغبتي في تعلم الحياة وإدراك مواطن التعايش معها.

    في يوم، أطلعتنا معلمتنا على رغبتها في عمل مسرحية شعرية من بطولتنا، بحيث نقدمها ضمن مهرجان مسرحي على مستوى المدرسة، كانت مسرحية “عنترة” لأحمد شوقي من مقررنا الدراسي للغة العربية، وقمت أنا بدور (مالك) والد عبلة، في البروفات كنت دقيقة الحفظ، حيوية الإلقاء، وكان الملاك يوجهني في حركتي ونطقي، عشت دور (مالك) كأنني هو فعلاً، السيد في القبيلة والجواري تحيط بي، أذكر سعادتي يوم العرض، وأنا أشعر بقدمي ترتفعان عن الأرض فرحاً، ورهبة مجنونة وقشعريرة لذيذة تنتابني وأنا ألبس ثوب رجال البدو وعلى رأسي كوفية وعقال، وحولي الجواري الحسان، كان الحضور من أترابنا من الشباب متهكمين، لكني كنت سيد القبيلة ولا يهمني شيء.

    لاقت المسرحية صدى جيداً، وإيماناً من الملاك بقدراتنا بدأنا بمسرحية أخرى هي “الحطيئة وبنو أنف الناقة” ونشترك فيها أيضاً ضمن المهرجان، كانت أجمل من سابقتها عندي، وكنت أنا البطل لا والد البطلة، كنت أنا (الحطيئة) الشاعر الداهية. و حلّقت بذات الحماس، وحفظت بذات الدقة، ومعلمتي تشجعنا وتدعمنا وتعلمنا، ووالله إني ارتقيت إلى النجوم باغتنائي بتوجيهها وفطنتها، بل إنها شاركتنا التمثيل، وأضفت على المسرحية صبغة فلسطينية شعبية أخرجت الجميع عن مألوف التوقعات! أذكر بيت الشعر الذي ختمت به:

                        قوم هم الأنف والأذناب غيرهم              ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا

    تم العرض، ولاقى أعجاباً شديداً من أسرة المدرسة، واشتركت معلمتي مع بنات الصف الأول الثانوي بمسرحية أخرى ضمن نفس المهرجان، وكنت يومها من الحضور، وكانت لا تقل إبداعاَ عن مسرحياتها السابقة إن لم تكن تفوقها.

    وجاء يوم النتائج، نعم كان هناك لجنة تحكيم لتقييم المسرحيات، مركز أول وثانٍ وثالث لكل مسرحية وممثلة وموسيقى.

    كنت بين الحضور أنتظر النتائج، قامت عريفة الحفل، وبدأت بترتيب تنازلي تعلن النتائج، حان وقت إعلان المركز الثالث لأفضل ممثلة، هنا رحت أفرك يدي ببعضهما وعيناي مغلقتان ورأسي منحنٍ على صدري، وقالت اسم الفائزة، لم تكن أنا، ثم إعلان المركز الثاني وانا بنفس الوضعية، وأيضاً لم تكن أنا، رحت أسترخي شيئاً فشيئاً محضرة نفسي للفشل، حتى لا أبكي ولا تظهر علي علامات الحزن أمام زميلاتي مع أني بصراحة كنت موقنة أنه سيكون اسمي.

    وجاء وقت إعلان اسم الحائزة على المركز الأول كأفضل ممثلة، فعدت لوضعية التوتر السابقة، وأعلنت عريفة الحفل: الفائزة بالمركز الاول كأفضل ممثلة… ساره زهران! إنها أنا والله أنا، قفزت من مقعدي وربما لامس رأسي السقف من شدة فرحتي، وركضت إلى المنصة لاستلام الجائزة وعيوني لا تفارق ملاكي الأزرق السبب الرئيسي لنجاحي في هذا اليوم وهي سعيدة وتصفق لي، الكل كان يصفق لي، كانت فرحة أسطورية، شعرت بأني حققت المجد للحظة، ووقفت وقفة عز أحيي الحضور وأصطنع التواضع!!
**********

    في العام التالي، كانت ذات الملاك تقود سفينتنا في بحر اللغة، بذات الواجب البيتي التعبيري، وكان جديد ملاكنا حصولها على درجة الماجستير في اللغة العربية، بل وإطلاق أول رواية لها، كانت متواضعة لدرجة أنها كانت تستشيرنا في عنوان الرواية، وصوّتنا بأغلبية لصالح عنوان “السقوط في الشمس”. كنت سعيدة بهذه الرواية، وكنت فخورة بمعلمتي أيما فخر، وعزمت بيني وبين نفسي أنني أريد أن أكون مثلها، أريد ان أحرر قلمي وأكتب بجرأة، مع أني حتى الآن لا أظن أنني يمكن أن أبحر كما فعلت هي، لا أظن أنني يمكن أن أرتقي بخيالي إلى درجة إبداعها.

    آخر ذكرياتي مع ملاكي الحارس كان يوماً في بداية الصيف، نهاية السنة الدراسية، كنا قد ختمنا المنهاج وقررت أن تعطينا حصة في الهواء الطلق لنسقط معها في الشمس. في يومها كان معها مجموعة نسخ من إحدى كتاباتها القصيرة بعنوان (الملاك الأزرق)، وطلبتُ منها أن تكتب إهداءً على نسختي، فكتبت بخطها:
 ”إلى الفتاة التي سيكون لها شيء سأنتظره معها- سناء شعلان”.
 ما زلت أحتفط بالنسخة وأقرؤها مراراً، خاصة عندما يصيب قلمي الخمول.

    لم تغب معلمتي سناء الشعلان عني، إذ لم يغب القلم ولا الورق، حاضرة هي في سطوري بأسلوبها وكلماتها التي زرعتها في عقلي الباطن، وتابعتها إلى اليوم، يوم حصلت على الدكتوراة رحت أخبر الجميع إنها كانت معلمتي، عند صدور كتاب أو مسرحية جديدة لها كنت أطلع الجميع على الخبر وأخبرهم أنها كانت معلمتي، عند كل جائزة لها أتباهى أمام الكل انها كانت معلمتي.

    معلمتي سناء الشعلان، ” أشكرك” ليست كلمة تفي بحق عطائك، ولا كنوز اللغة بلمعانها وجاذبيتها ترد جزءاً من معروفك معي بأن ارتقيت بروحي.

     فضلك علي سيعرف أبنائي عنه، وسأعلمهم ما علمتني، سأقودهم كما قدتني أن أنظر وراء الحروف وأتمعن في مخفيّ المعاني.

    معلمتي، فخورة أنا بأني كنت طالبة تنهل من علمك، ومن خبرتك استطعت توجيه نفسي إلى الحرية، كنت حرة في دراستي، وحرة في عملي،  وحرة في حبي، وما زلت حرة في بيتي ومع حبيبي وزوجي، وما خابت حريتي ولا تاه طريقي والقلم مثواي وإليه أرجع.

أشكرك.

اشترك واربح..

في كل يوم نتلقى الكثير من الرسائل القصيرة الدعائية التي تقض مضجعنا وتثير حنقنا دون وسيلة مجدية للتخلص من استقبالها اليومي.

ألا ترون معي أن هذه الرسائل القصيرة اختراق للخصوصية وتقييد للحرية وإجبار على قراءة ما لا نريد قراءته؟؟
دائماً ننادي بالحريات، وهذه أقلها شأناً، ألا أستطيع أن أتحكم بهاتفي الخاص الذي أدفع فاتورته من جيبي الخاص؟

لماذا لم يتحدث أحد بهذا الموضوع، إنه يزعجني كثيراً خاصة عندما أنتظر رسالة مهمة وأسمع رنة الهاتف وأهرع إليه فإذا بها رسالة إعلانية سرعات ما أمسحها.

هناك أمر آخر جدير بالذكر هنا، هل تنبهتم إلى هذه الرسائل ومواضيعها؟ انا عادة أمسحها دون قراءتها لكني قرأت بعضاً منها وهذه بعض المحتويات:
- هل تريدين أن تعرفي كيف تصطادين عريساً، ابعثي “عريس” على **** إلى آخره

-حلمت حلم شغل بالك اتصل على **** وفسر حلمك وريح بالك والدقيقة ب40 قرش

- حتموت من الضحك اتصل واضحك وضحك غيرك الدقيقة ب 40 قرش

-سمع صحابك نهفات وانت بتحكي معهم إلى آآآآآآآخره

- اشترك معنا واربح سيارة وآلاف الجوائز النقدية والعينية فقط أرسل **** على الرقم *** كلما أرسلت أكثر ازدادت فرصك بالفوز

يعني بالله عليكم هذه رسائل تنبعث؟؟ ليش ما في طريقة أمنع استقبال هيك رسائل!!!!
ألا تنتهك هكذا “حرمات” هواتفنا الخاصة؟؟

النهفة الأكبر عندما تأتي رسالة تقول: حمل أغنية فلان الفلاني مجاناً فقط 40 قرش للدقيقة!!!
يا ربي كيف مجاناً و40 قرش للدقيقة؟؟؟

هو المواطن الأردني لاقي ياكل عشان يحمل أغنية بتطلع بالآخر ب5 دنانير؟؟ ولا عشان يسمع صحابو نهفات ب 10 دنانير!!

هذه كلها دعايات تستهدف المراهقين لاستنزاف جيوب الآباء المرهقين..
يا شركات الاتصالات المحترمة ارحموا من في الأرض وارحموا جيوب شعب ثلاثة أرباعه أصبحو تحت خط الفقر

يا مواطن يا أردني احكي معي، احتج معي…

لا للرسائل القصيرة الإجبارية، لا لسلب أقل الحريات على الإطلاق!!!

جديد قلبي..

منذ فترة ليست بقصيرة كنت أمر بحالة من التوازن وما زلت أعيشها، توازن عاطفي واجتماعي لم أشهده من قبل شعور بالأمان والاستقرار والحماية، خلال هذه الفترة كانت تخالجني مشاعر كثيرة ولأول مرة كان هناك خط واضح لمشاعري، كنت أعرف ماهيتها دون إرهاق في محاولة تفسيرها، أجمل ما عشته وما سأعيشه إلى الأبد، لكني عجبت من أمري في غمرة هذه المشاعر وجمالها، إذ أنه كان في جعبتي الكثير دائماً لأكتبه لكني لم أمسك قلماً ولم أكتب، كلما هممت بالأوراق أشغل نفيس بشيء آخر، لماذا لا أعرف، لكني الآن أعرف أنه عار علي أي يناديني القلم وترقص لي الأوراق وتغريني وأعرض عنها.

لكن.. عندما غادرني حبيبي في رحلة عمل قصيرة فعلياً وجدتها دهراً، ووجدت قريحتي تتفتح بالكلام، ربما لم يكن كلاماً قوياً لكنني لم أكن أكتب بيدي، لا أذكر أن يدي كانت تكتب، ما أذكره أن أفكاري  كانت تخاطبه فسطرها الورق الأصفر على دفتر ذكرياتي القديم، وأنشره الآن..

الرابعة والنصف صباحاً، أول يوم أبيت في بيتنا مذ سافرت، صدح أذان الفجر قبل قليل، عندما سمعت “الله أكبر” أسرعت إلى غرفة نومنا، فتحت النافذة، وكان المشهد سينمائياً غير مفبرك؛ شجرة السرو العالية، يتخلل أوراقها صورة القمر شبه المكتمل، هواء نقي عليل، أضواء كثيرة بعيدة تتراقص على جبل بعيد، أخذت أفكر أنك الآن أبعد جغرافياً من هذه الأضواء! وبكيت، بكيت بحرقة، وتذكرك يوم سفرك، كيف ودعتك كمن تودع قلبها، كلنا يحب نفسه ويحب قلبه، وأنا قلبي انتزع مني يوم سافرت.

كنت في صراع مع نفسي ومن حولي، يريدون أن أغادر بيتنا، إذ كيف أبيت وحدي في البيت؟ أي ذنب أرتكبه بحق أهلي برفضي المبيت عندهم؟ لست بصدد التفصيل إلا أنني أُجبرت ان أغادر البيت لثلاثة أيام كئيبة، وكلي انكسار، كلي لوعة وحزن. نمت في الليلة الأولى ودموعي على خدي، وفي الليلة الثانية ودموعي على خدي، وفي الليلة الثالثة وأيضاً دموعي على خدي لكنني كنت قد قررت أن أعود إلى مملكتنا، كنت أعلم أنني سأفتقدك في البيت، لكني كنت موقنة أن بيتنا هو استقراري ولن اجد طعم الراحة في مكان آخر..

بعد ثلاثة أيام وضعت الجميع أمام الأمر الواقع وعدت، كانت معي صديقتاي الشقيقتين سحر ومرام، الأفضل على مدى سنين حياتي،.

عندما دخلت المنزل، كانت رائحتك فيه، مازلت في المكان يا عمري، رحت اجول البيت بحثاً عنك وروحي تركض امامي إلى كل غرفة، وما إن وصلت غرفتنا بكيت، ووجدت ملابسك على السرير، رحت أضمها وأشمها وأبكي.

كانت صديقتاي إلى جانبي فكان الأمر أسهل ان أنشغل معهما سهرت معهما حتى الحادية عشر ليلاً ثم غادرن، وبقيت وحدي أشاهد مسلسلنا المفضل، تابعت عشر حلقات منه، ولم أستطع النوم، حتى الآن إذ لم تكن بجانبي..

كل هذا فكرت فيه وأنا أطالع الأضواء البعيدة.

وصلت إلى نتيجة، انا كنت أظن أن الاستقرار هو بيتنا، والأمان هو المكان الذي جمعنا وأنني سأستطيع النوم مطمئنة قريرة العين، لكني عرفت يا عزيزي وأيقنت أن الاستقرار هو أنت، حبك، حضنك الدافئ.. انت.. لا صوت ولا شيء ولا أحد ولا شعور سواك..

أنت حبي واستقراري وصوتي.. أنت سكني وجنوني.

أحبك.

حديث

في سخرية كلنا نعيش..

حتى ونحن جادون في أقوالنا نعيش بسخرية من واقعنا، كل يوم قصة، وفي كل مرحلة  تجربة نختبر مشاعرنا خلالها ونستغرب، نجد أن المشاعر التي عشناها ليست كافية فهناك الكثير لم نعشه بعد.

هذا الجديد الغريب نواجه صعوبة في التعايش معه أو على الأقل لا نعرف كيف نخرج منه، كيف نتعامل معه دون أن يغلبنا، أتحدث هنا عن ماديات الحياة التي تفرض أن نواجهها بموقف أو قرار، وقصر عمرنا -كشباب- لا يسعفنا كثيراً، ونحن الذين كنا نظن أننا نعرف كل شيء وأن الدنيا علمتنا بشكل كافٍ لنتعامل مع كل شيء، أخطأنا حين اعتقدنا أن الحياة متكررة وأن المواقف هي ذاتها مع اختلاف الشخصيات.

مع خبرة محدودة عرفت أن الحياة ليست معقدة لكنها دائماً متجددة في طرحها، وأن مفهوم الغلبة أي من يغلب من نحن أو هي ليس بوارد عندها فهي دائماً المنتصر الوحيد لكن يبقى الدور علينا نحن، كيف نصالحها ونفهمها، كيف نسيغ معطياتها كما نريد، هي كالأم في هذا ترضى عنا إن نحن رضينا، مع نسبية الأداء.

نعود للسخرية في هذا، السخرية من التناقض المرمّز هنا، عادة عندما نعقد الحياة كثيراً نلجأ لأن نسخر ولكل مقام مقال.

الهم الأكبر بعد هذا التحليل البسيط هم شخوص الحياة، فهؤلاء ليسوا واحداً هؤلاء أفكار مختلفة وشخصيات متباينة، عندما أفكر كيف أحللهم سأكتب عنهم.

ما زالت دنيانا جميلة

فاجأني البارحة موقف جميل.. جعلني أبتسم كلما ذكرته..

كنت أجهز نفسي للخروج لحضور توقيع كتاب الصديق محمد المعايطة في محترف رمال، دخل أخي الأصغر إلى غرفتي بمنظر لم أره فيه في حياتي قط..

كان وجهه محمراً، وعيناه منتفختان وفيهما آثار الدمع!! خفت جداً وظننت أن أحداً أصابه مكروه.. حاولت أن أعرف منه ما به فامتنع عن الإجابة واكتفى بأن يطمأنني أن أحداً لم يصب بمكروه، وطلب مني هاتفي وكلم صديقه وأبلغه أن يأتيه على وجه السرعة، قلقت أكثر واستمريت في استجوابه وسؤاله عن أصدقائه إن لأحد منهم أو أهلهم أي مكروه  دون فائدة،

وتركني وذهب خارجاً وجلس على مدخل العمارة!

رحت أتساءل: ما هذا الشيء الخطير الذي أثر في شاب يافع في السادسة عشرة من العمر ليبكي!!

عندما انتهيت من تجهيز نفسي نزلت إلى الشارع، فوجدته جالساً على الرصيف حاجباً وجهه بكفيه كمن حلّت عليه مصائب الدنيا، أربكني هذا المشهد، إنه لا يخجل أمام أولاد الحارة أن

يبكي، كان فقط يريد أن يختلي بحزنه غير آبه بمن حوله!!

هنا نويت أن لا أتركه إلا إذا عرفت ما الذي حل به، وبعد إصرار أجابني بأن صديقه المقرب سوف يسافر مع أهله إلى البحرين وسيقيم هناك دون عودة وانفجر بالبكاء!!

ابتسمت وأحسست بفرحة غامرة لأن أخي، هذا المتمرد الصغير له قلب كبير جداً، وإخلاص عظيم تجاه صديقه المُختار.

صرت أسترجع مشاكله الكثيرة مع أهلي التي يصب جَلّها في إنه يريد أن يتصرف كما يريد لا أن يُفرض عليه نظام قديم، يريد أن يكتشف كل شيء ويختار قوانينه بنفسه، ومن عشرتي

معه أعلم بأنه ليس تاقهاً أو سخيفاً يريد أن يقلد وفقط، أعلم أنه ذكي ويعرف أنه لن يفهم الدنيا ما لم يجربها على حقيقتها دون مثاليات زائدة والأهم دون قيود لا معنى لها..

حدثت نفسي أنني كنت سأفخر بتربيتي له لو كان ابني، وكنت سأطمئن عليه لأنه قوي وحنون ومخلص في آن، هذه صفات لا توجد بين شبابنا إلا ما قلّ..

على العموم، قضى أخي العزيز الليل في اتصالات ومكالمات ومخابرات مع الأقارب والأصدقاء إلى أن أثنى والد صديقه عن فكرة السفر..

واليوم وجدته سعيداً كما لم يكن من قبل، رغم انتفاخ عينيه حتى الآن ووجهه الأصفر رأيت قلبه يرقص فرحاً وكأنه عيد.. نعم جعلني أشعر أن اليوم عيد..

كم نفتقد احتفالنا بأصدقائنا، واحتفالنا بأنفسنا لكوننا أصدقاء.

أحزان خريف

لطالما أثر فيه فصل الخريف.. لطالما ذكره بلوحات مواقف رُسِمت ومضت.. مع الخريف..

يذكر ذلك اليوم التائه عند سقوط آخر الأوراق.. اليوم الذي صادف فيه ملاكاً حالماً أمده بقوة وشـوق وحلم.. ثم اختفى..

كان يوماً قارص البرودة.. وكانت هي الملاك الذي جلس على المقعد الخشبي المنزوي في طرف الحديقة العامة.. تظللها عبثاً شجرة لوز عارية إلا من بعض وريقات صفراء، حمراء، ذهبية تتراقص مع كل نسمة..

في ذلك اليوم قصد الحديقة شاكياً من فراغه ووحدته.. فلمحها من بعيد مستغرقة في مناجاة كتاب صغير، تحمله برقة بين راحتيها… “هالة من السحر تلفها”.. هالة جعلت من قدميه آلة بشرية منقادة تعبر إلى حيث يكمن السحر!

تجرأ وحياها.. قبادلته التحية بشيء من الاستغراب.. استأذن أن يجلس بجانبها فلم تصده، ربما ذوقاً وربما ثقة وربما فضولاً. ابتسمت في وجهه وشجعته على الكلام ومن ثم الاسترسال في الحديث..

تحدثا كثيراً.. كثيراً كثيراً..

تحدثا عن كل شيء؛ عن جراح حفرت الماضي.. وعن آلام قهرت الحاضر..عن أحلام ستموت في المستقبل…

ثم تخدثا عن أحداث فخر وعزة جعلت للماضي قيمة.. وعن إنجازات أكدت ان شجر الحاضر يؤتي أكله..

عن آمال ربما تجعل من المستقبل بستاناً خيّراً يحصل الجميع منه على الكفاف….

كل منهما أعرب للآخر عن إعجابه بفكره ونظرته وتحليله وإصابته للواقع على الرغم من تمسكه بالحلم…

تأخر مكوثهما الدافىء وجاء موعد الوداع..

عندما سألها لقاءً آخر دعته لان يكون للصدفة كما كان اليوم، فما كان منه إلا أن أذعن واستسلم لرغبتها وتودعا على أمل اللقاء.

هو… سحرته ابتسامتها وتعلقت صورة عينيها القويتين في مخيلته…

ومن ذلك اليوم لم ينس حديثها.. ولم يتوقف أبداً عن التفكير في كمالها ورقتها… لكنها كانت كالخيال.. لم تظهر بعد ذلك اليوم.. ذهب إلى الحديقة كل يوم ولم يجدها.. انتظر كثيراً تحت مطر الشتاء وثلجه.. انتظر مع زهور الربيع وصوره.. انتظر عبر مرح الصيف ولهوه.. لكن.. دون جدوى.. دون جدوى..

سجّل هذا اليوم في تاريخه.. وكل يوم يوافقه في كل عام؛ يجلس تحت شجرة اللوز ذاتها وينتظر..

حيناً يضحك لتذكره نادرة قالتها..

وأحياناً يبكي لأنه ضائع هائم لا يدري كيف يجدها..

ارتبط حزنه وبكؤه وضياعه بالخريف..

بسقوط أوراقه وقفرة غاباته.. ووحشة أصواته..

وأنين العاشقين المتردد في أرجائه………..

Tags:

ثورة سلام

أعمق من ان أتحدث عن عمقه..

هو البحر وجدته في حلة أجمل! ما هذه الروعة التي سكنتك حتى أراك أجمل من البحر ذاته!!!… لا أدري..

خطر محيط أشعر به.. خطر من العالَم.. وخطر من دفئك يهدد قلبي بالنبض ثانيةً، لكن عيونك تمنح أماناً وسلاماً ورقة على زوايا المكان،،،،،

هو الماء يخرج من صلب النار، أقوى وأشد ريّا…!!!!!

اشتقت وجودك في المكان على الرغم من أنك غادرت قبل دقائق فقط..

هذي أمواجك تعشق أخرى، وتراني أريد أن أتخبط بجنونها إذ أنها أرحم جنوناً بما أنها أمواجك أنت!!

لا خوف عندي إن احترقت غداً بعيداً عنك طالما أنني أحترق من أجلك..

حالة غريبة وُلِدت من رحم صدى كلماتك الحرّى داخلي، حالةُ تقاذف حمم باردة رغم الثوران.

اشتقتك الآن رغماً عني.. معلقة صورتك في مقعدك الخالي عزيزي..

لأول مرة لا أنتظر الغد لأعرف كيف سأكون، لأني أريد أن أكون غداً كما أنا الآن، في نفس الحالة ونفس العمق ونفس الثورة وذات الطمأنينة.

سقف خبايا…

يشكون إلي عزلتي!!!

أما دَرَوا أن وحدتي هي أنسي المطلق ومتعتي الكبرى؟؟

أما عرفوا أن نقرات الوتر هن جاراتي اللواتي يسكنَّ زوايا غرفتي ويحاورنني في تفاصيل الجرح المتأصل عبر ماضيَّ المكبوت؟؟؟

يخفى عليهم جميعاً أن الليل حين يمربيومي يثير شجني تارة؛ ويداعبني تارة ثم يطويني خلف ستاره الغامض بعد أن يعمِّدني بالأرق…

حزني؛ جعل مني “أنا”…

إخلاصي في الحب كان معجزتي.. كذبوه فعقروه.

عدوى الفيلسوف…

نعم هناك صور أتعلق بها لحظياً لأنها تمدني ببريق يغري قلمي فأكتب. ليس استغلالاً لصورة أو لمعان عيون أو جمال مشهد لكنها حاجة داخلية تلح علي أن أطيل التأمل ثم أكتب قصير الجمل وأجودها تعبيراً مما يتوفر في جعبتي في تلك اللحظة.

في معجم ضخم مفهرس في عقلي الباطن؛ كلام أحتاج لأن استخدمه على الرغم من انني أحياناً لا أعرف من أي الحواشي أبدأ، فألجأ لأن أخاطب الطفلة أو المرأة أو المجنونة داخلي، أو أختار (رمزاً) أحاول وصفه أوأشكو له عن آخر أو أشكوه إلى آخرأو أمدحه أو أهجوه أو أساوي غيابه بموته فأرثيه.

بقدر ما أفكر في بساطة الدنيا وجمالها أفكر أيضاً في تعقيدها وجنوحها أحياناً كما نفوس البشر تماماً، فتراني أعاني بسذاجة من غياب وحدة الموضوع على الورق إذ أن الكلام في السطور الأولى يختلف عن السطور اللاحقة في معظم الأحيان،

وفجأة….

أكتشف القوة،،

فجأة أكتشف في هذا الكلام الذي بدا لوهلة نقاطاً مشوشة غير مفهومة؛ رابطاً غريباً يفلسف الأمور فأجد المعنى الذي قصدته وأحاول أن أضيف شرحاً بسيطاً يوضح المعنى المقصود أكثر لكنني عادة أفشل في إضافة أي كلمة على النص لأصلي!!!

غربة قصيرة

هذه كلمات كتبتها في ميناء نويبع وأنا متهالكة على مقعدي المهترئ يقتلني الحنين إلى كل ما مر علي في حياتي على أرضي، كلمات قليلة لكنها ساعدتني على أن أخفف من حدة الانتظار بعد أن أُعلمت أن الباخرة ستتأخر (8 ساعات)!!!!!!!!!!!!!!!!

**في قاعة الانتظار الأخير؛ انتظار الباخرة التي ستعود بي إلى بلدي، اختلفت الوجوه، وتغيرت معايير الغربة عندي، حولي تقاسيم حياتية متباينة، كلّ يغني على ذكراه؛ عامل مستجد يحلم بخير الأردن ويستبشر بغد أفضل، وآخر ذو تجربة، على محياه الأسمر تخط تجاعيد الغربة آثارها عندما يتثاءب بمعان كثيرة لا أجد فيها شكلاً واضحاً للراحة، وهناك عائلة سعيدة عائدة من شرم أُنهك أطفالها من السفر وفرط اللعب والوالد المعطاء فخور بالرفاهية التي وفرها لعائلته..

ورفاقي يحاولون مراوغة الوقت بالغناء، أما أنا فتارة أجاريهم وتارة أطالع الوجوه حولي بصمت ودقة وتارة أخيرة أغفو في مقعدي من فرط الغربة؛ إذ أن التعب ما كان ينعسني في وطني.